عندما يسمع الناس كلمة الامتنان، يربطها كثير منهم بالأخلاق، أو التربية، أو التعاليم الدينية، أو حسن التعامل مع الآخرين. لكن خلال العقدين الماضيين، أصبح الامتنان أيضًا موضوعًا مهمًا في مجالات علم النفس الإيجابي، وعلوم الأعصاب، والطب السلوكي.
فقد حاول الباحثون الإجابة عن سؤال بسيط لكنه عميق: هل يؤثر الشعور بالامتنان في صحة الإنسان وجودة حياته، أم أنه مجرد إحساس جميل لا يترك أثرًا حقيقيًا؟
كانت النتائج لافتة للنظر.
فقد أظهرت عشرات الدراسات أن الأشخاص الذين يمارسون الامتنان بانتظام يميلون إلى التمتع بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة، وعلاقات اجتماعية أكثر استقرارًا، وقدرة أفضل على التعامل مع الضغوط اليومية. كما تشير بعض الأبحاث إلى ارتباط الامتنان بتحسن النوم، وانخفاض مستويات التوتر، وتعزيز بعض المؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية.
لكن كيف يمكن لمشاعر تبدو بسيطة أن تُحدث كل هذه التأثيرات؟
ما هو الامتنان من الناحية العلمية؟
يعرف علماء النفس الامتنان بأنه القدرة على إدراك النعم أو المواقف الإيجابية أو جهود الآخرين، وتقدير قيمتها بوعي.
ولا يعني ذلك تجاهل المشكلات أو إنكار الصعوبات، بل يعني أن الإنسان لا يسمح للمواقف السلبية بأن تحجب كل الجوانب الإيجابية الموجودة في حياته.
فالامتنان ليس إنكارًا للواقع، وإنما طريقة أكثر توازنًا في النظر إليه.
الدماغ يميل إلى التركيز على السلبيات
من المثير للاهتمام أن الدماغ البشري لا يعامل جميع الأحداث بالطريقة نفسها.
فمن منظور تطوري، كان الانتباه إلى الأخطار ضروريًا للبقاء على قيد الحياة، ولذلك يميل الإنسان بطبيعته إلى تذكر المواقف السلبية أكثر من المواقف الإيجابية.
ولهذا قد يتلقى الشخص عشر كلمات مديح وتعليقًا سلبيًا واحدًا، ثم يقضي بقية يومه يفكر في التعليق السلبي.
ويحاول الامتنان إعادة التوازن لهذا الميل الطبيعي، من خلال تدريب العقل على ملاحظة الجوانب الإيجابية التي تمر أحيانًا دون انتباه.
الامتنان والصحة النفسية
تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعبرون عن امتنانهم بصورة منتظمة غالبًا ما يشعرون بدرجات أعلى من التفاؤل والرضا عن الحياة.
ويرجع ذلك إلى أن الامتنان يغير طريقة تفسير الإنسان للأحداث اليومية.
فعوضًا عن التركيز المستمر على ما ينقصه، يبدأ في ملاحظة ما يمتلكه بالفعل.
وهذا التحول لا يلغي المشكلات، لكنه يقلل من سيطرتها على التفكير، ويمنح الإنسان شعورًا أكبر بالتوازن النفسي.
هل يؤثر الامتنان في التوتر؟
عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، يصبح عقله منشغلًا بالمخاطر والمهام والمخاوف.
لكن تخصيص وقت قصير للتفكير في الأمور الإيجابية، أو في الأشخاص الذين قدموا له المساعدة، يساعد على تهدئة هذا النمط من التفكير.
وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن ممارسة الامتنان بانتظام قد ترتبط بانخفاض مستويات التوتر وتحسن القدرة على التكيف مع الضغوط.
ولا يعني ذلك أن الامتنان يزيل أسباب القلق، لكنه قد يساعد على التعامل معها بطريقة أكثر هدوءًا.
الامتنان وجودة النوم
قد يبدو الأمر مفاجئًا، لكن بعض الأبحاث وجدت أن الأشخاص الذين ينهون يومهم بالتفكير في الأمور التي يشعرون بالامتنان تجاهها، يميلون إلى النوم بصورة أفضل.
ويُعتقد أن السبب يعود إلى تقليل الأفكار السلبية والاجترار الذهني الذي يمنع كثيرًا من الناس من الاسترخاء قبل النوم.
ولهذا ينصح بعض المختصين بتخصيص دقائق قليلة مساءً لتذكر ثلاثة أشياء إيجابية حدثت خلال اليوم، مهما كانت بسيطة.
العلاقات الإنسانية والامتنان
لا تقتصر فوائد الامتنان على الشخص نفسه، بل تمتد إلى من حوله.
فعندما يشعر الإنسان بالتقدير، يزداد شعوره بقيمته، ويصبح أكثر استعدادًا للتعاون والعطاء.
كما أن التعبير عن الشكر يعزز الثقة ويقوي الروابط بين أفراد الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل.
ولهذا نجد أن كلمة شكر صادقة قد يكون لها أثر يفوق أحيانًا الهدايا المادية.
الامتنان لا يعني الرضا عن كل شيء
من المفاهيم الخاطئة أن الامتنان يعني قبول كل الظروف دون محاولة تحسينها.
وهذا غير صحيح.
فالإنسان يستطيع أن يكون ممتنًا لصحته أو أسرته أو أصدقائه، وفي الوقت نفسه يعمل بجد لتحقيق أهداف جديدة أو تغيير أوضاع لا تعجبه.
إن الامتنان لا يمنع الطموح، بل قد يمنح الإنسان الاستقرار النفسي الذي يحتاجه لمواصلة السعي.
لماذا يصعب علينا الشعور بالامتنان أحيانًا؟
لأن الدماغ يتكيف بسرعة مع النعم.
فعندما يحصل الإنسان على وظيفة جديدة، أو منزل جديد، أو هاتف جديد، يشعر بسعادة كبيرة في البداية.
لكن بعد فترة قصيرة تصبح هذه الأشياء جزءًا من حياته اليومية، ويتوقف عن ملاحظتها.
ويعرف علماء النفس هذه الظاهرة باسم التكيف النفسي، وهي أحد الأسباب التي تجعل الإنسان يعتاد حتى على الأمور الجميلة.
ولهذا يحتاج الامتنان إلى ممارسة واعية تعيد الانتباه إلى ما أصبح مألوفًا.
كيف نمارس الامتنان بطريقة عملية؟
لا يتطلب الأمر وقتًا طويلًا أو طقوسًا معقدة.
يمكن البدء بعادات بسيطة، مثل:
- كتابة ثلاثة أشياء إيجابية حدثت خلال اليوم.
- شكر شخص قدم لك مساعدة، حتى لو كانت صغيرة.
- ملاحظة النعم اليومية التي اعتدت عليها، مثل الصحة أو وجود الأسرة.
- التعبير عن التقدير بدل افتراض أن الآخرين يعرفون قيمتهم لديك.
- التوقف للحظات أثناء اليوم للاستمتاع بلحظة جميلة دون استعجال.
هذه الممارسات البسيطة تساعد على توجيه الانتباه نحو الجوانب الإيجابية دون تجاهل الواقع.
هل يكفي الامتنان وحده لتحقيق السعادة؟
الإجابة لا.
فالامتنان ليس علاجًا لكل المشكلات، ولا بديلًا عن العلاج النفسي أو الطبي عند الحاجة.
كما أنه لا يلغي أهمية العمل، أو التخطيط، أو مواجهة التحديات.
لكنه يمثل عادة ذهنية تساعد الإنسان على بناء نظرة أكثر توازنًا للحياة، وهو ما ينعكس على صحته النفسية وجودة علاقاته.
الخلاصة
تكشف الأبحاث الحديثة أن الامتنان ليس مجرد خلق حسن أو سلوك اجتماعي راقٍ، بل هو أيضًا عادة يمكن أن تؤثر في طريقة عمل الدماغ، وفي نظرتنا للحياة، وفي قدرتنا على التعامل مع الضغوط.
فعندما نتعلم أن نلاحظ ما نملكه، بدل التركيز الدائم على ما ينقصنا، نصبح أكثر قدرة على الاستمتاع بالحاضر، وأكثر تقديرًا للناس من حولنا، وأقل استنزافًا بسبب المقارنات المستمرة.
وفي النهاية، لا تعني الحياة السعيدة أن يحصل الإنسان على كل ما يريد، بل أن يدرك قيمة كثير مما يملكه بالفعل. وعندما يصبح الامتنان جزءًا من الحياة اليومية، فإنه لا يغير العالم من حولنا، لكنه يغير الطريقة التي نرى بها هذا العالم، وهذا وحده قد يصنع فرقًا كبيرًا في جودة الحياة وراحة النفس.
من فضلكم
اضغطوا أسفل المقال لمشاركته مع أصدقائكم و أحبابكم...
