لم أكن أعلم أن أكبر معركة في حياتي لم تكن مع الظروف، ولا مع الناس، ولا مع ضغوط العمل… بل كانت مع نفسي.
كنت أهرب دائمًا:
أهرب من مواجهة أخطائي، من تحمل مسؤولية قراراتي، من النظر إلى المرآة بصدق.
كنت أختبئ خلف الانشغال، خلف التبريرات، خلف عبارة “ليس الآن”.
وفي أحد الأيام، بعد نقاش حاد مع أحد أصدقائي، قال لي جملة ظلّت ترنّ في أذني طوال الليل:
"أنت لا تعيش المشكلة… أنت تهرب منها."
تلك الجملة كانت الصفعة التي أيقظتني.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
جلستُ وحدي ذلك المساء، لأول مرة منذ سنوات بلا هاتف ولا موسيقى ولا تشتيت.
حاولتُ أن أصغي لصوت داخلي كنت أقمعه دائمًا.
وفجأة شعرتُ بثقل كبير يخرج من صدري…
لم يكن حزنًا، بل اعترافًا:
أنا مسؤول عن جزء كبير من التعقيدات التي أعيشها.
لقد أدركتُ أن الهروب لم يكن يحمي نفسي… بل كان يضيع سنوات من حياتي دون أن أتعلم شيئًا.
كيف تبدأ رحلة المصالحة مع الذات؟
وجدتُ أن الخطوات الأولى بسيطة، لكنها ليست سهلة:
1. الاعتراف… لا الاتهام
بدأتُ أقول لنفسي: نعم أخطأت. نعم قصّرت.
لكن بدلاً من جلد الذات، قررت أن أتعامل معها كما أتعامل مع شخص أحبّه.
2. الصدق مع النفس
سألتُ نفسي:
لماذا أفعل هذا؟ لماذا أتردد؟ لماذا أغضب؟
كنت أتهرّب من الإجابات سابقًا، لكنني اليوم أسمح لها بالخروج مهما كانت مؤلمة.
3. التوقف عن تبرير كل شيء
كنت أبحث دائمًا عن شماعات خارجية.
اليوم، تعلمت أن أقول ببساطة: “هذا بسببي… وسأصلحه.”
4. العناية بالنفس كأولوية
اكتشفت أن التعب النفسي ليس مجرد حالة… بل نتيجة تراكمات.
بدأت أرتّب نومي، وأمارس المشي، وأخصص وقتًا للهدوء الحقيقي وليس التشتت وراء الشاشات.
5. إعادة بناء العلاقة مع الذات
تعلمت أن أثق بنفسي مرة أخرى، أن أسامحها، أن أعطيها فرصة جديدة.
النتيجة بعد أشهر
ما توقّعته أن يكون رحلة ألم… أصبح رحلة تحرّر.
بدأت أشعر بأنني أخفّ، أصفى، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات حقيقية.
أصبحت حياتي أقل فوضى… لأن داخلي أصبح أكثر وضوحًا.
الناس من حولي لم يتغيروا…
الظروف لم تتغير كثيرًا…
لكنني أنا تغيّرت.
الخلاصة
المصالحة مع الذات ليست رفاهية نفسية،
بل هي الشرط الأول لأي خطوة نحو حياة صحية، واضحة، ومتوازنة.
وحين تتوقف عن الهروب من نفسك…
تكتشف أن أكثر سندٍ كنت تبحث عنه في الخارج
كان يسكن داخلك طوال الوقت.
